فقد الدعاة "وفاة الداعية رشيد بن عمر بابانجار"
الجمعة 5 ديسمبر 2014خطبة الجمعة .أردتها وفاءً لأستاذنا العزيز رشيد بابانجار - طيب الله ثراه-، وإبرازاً لقيمة العلماء ودورهم في إحياء الأمة، متمنيا أن تستفيدوا منها -- عمر بن سعيد دجال --
الحمد لله الدائم بره، النافذ أمره، الغالب قهره، الواجب حمده وشكره، وهو الحكيم الخبير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك والتدبير، جلَّ ذكره، وإليه يُرجع الأمر كله، علانيته وسره، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه وهو على كل شيء قدير، سبحانه وبحمده جعل لكل أجلِّ كتاباً، وللمنايا آجالاً وأسباباً، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحابته الأخيار، ما جن ليل وبزغ نهار، وسلَّم تسليماً كثيراً.
أمـا بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- فبالتقوى يُنال رضا الواحد الأحد، وبها تتحقق سعادة الأبد، وتحصل البركة في الأهل والمال والولد، فطوبى لمن جد واجتهد في توحيد ربه وتقواه وعبد، ويا بشرى له بحسن العقبى إلى أبد الأبد.
أيها المؤمنون:
"يموت أناس فلا تسقط لموتهم دمعة، ولا تصعد –حسرةً عليهم- زفرة، ولا تحسُّ لفقدانهم حرقة، لأنهم لم يقدّموا شيئاً ذا بال يرفع لهم ذكراً ويشغل لهم فكراً، ويموت أناس فيبكيهم عدد من الناس محدود، ويحزن عليهم جمع من الناس معدود، ويموت آخرون فتكاد القلوب يتفطَّرن لموتهم، وتضطرم الصدور أسى لفراقهم، وتتلظى الأكباد حزناً عليهم، وتبكيهم السماء والأرض لما أسلفوا من عمل صالح، وما أذاعوا من كلم طيب، وما أبدعوا من فكر قويم، وما نشروا من خلق كريم، فكأن موتهم موت لتلك المعاني السامية"1 .
فما للنوائب لا تنفكُّ تغشانا تذيقنا من صروف الدهر ألوانا
تذيقنا المر بعد المر جاهدةً مكشِّرات كرأس الغول أسنانا
ها هي الأيام تفجعنا برحيل ابن بار من أبناء الأمة، وفارس مغواراً من فرسانها، وداعية مفوَّه من دعاتها، وحارس أمين من حراس ثغورها...في زمن أحوج ما تكون إلى أمثاله، شجاعةً وفصاحةً وثباتاً.
لقد رحل الأستاذ والداعية والمرشد رشيد بن الحاج عمر بابانجار وفي نفوس المؤمنين لفقده لوعة، وفي قلوبهم لرحيله حرقة.
لقد كان قبل أيام قليلة من حادث وفاته يعظ ويُنبِّه، ويرشد ويوجّه...(وكم كانت له من دروس ودروس في هذا المسجد في رمضان وغيره)، وكله حماسة وغيرة، ورغبة جامحة وسعي حثيث خدمةً للخير، ونفعاً للأمة..وجهراً بالحق، وتبليغا لأمانة الدين. متحمّلاً في سبيل ذلك فناءَ نفسه وذوبان ذاته ونسيان دنياه، مستثمراً في سبيل ذلك كل ما آتاه الله من قوة وفتوة وشباب...
ها هو يمضي وقد غرس بذوراً، ستنمو فسائل، وستثمر –بعون الله- قيماً وفضائل.
رحل المرشد رشيد بابانجار، وهو في زهرة شبابه، وقمَّة أدائه، وأوج عطائه...رحل، ورحلت معه مجموع طموحات علمية، ومشروع رؤى تجديدية، كان يبثّها في كلماته ودروسه.
ألا فاعتبروا –إخوتي الشباب، ولا تغرنَّكم قوة أبدانكم، ولا صغر أعماركم، فهيئوا زادًا كافيا، وأعدوا جوابا شافيا، واستكثروا في أعماركم من الحسنات، وتداركوا ما مضى من الهفوات، وبادروا فرصة الأوقات قبل أن يفاجئكم هادم اللذات، عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي يعظ رجلاً ويقول له: «اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».
أخي المسلم:
يا من بقي من عمره القليل ولا يدري متى الرحيل، يا من أبعده الحرمان، ويا من أركسه العصيان، كم ضيعت من أعوام وقضيتها في اللهو والمنام؟ كم صلاة تركتها ونظرة أصبتها وحقوق أضعتها ومناه أتيتها وشرور نشرتها؟ أنسيت ساعة الاحتضار وما يحصل للمحتضر حال نزع روحه حين يشتد كربه ويظهر أنينه ويتغيّر لونه ويعرق جبينه؟
أيها المؤمنون:
"كم هو مدم للقلب، ومدمع للعين، ومؤلم للعقل، أن ترى سنبلة في قوة نمائها تصاب بالذبول فتجفّ وتنحني لتصبح نبتة يابسة تذروها الرياح، وكم يعزّ على النّفس، أن يُحوّل نهر رقراق عن مجراه وهو في غمرة هديره ليجهض مشروع خصوبة أرضه، وعذوبة شربه، فتصاب روافده باليبس، وشرايين ينابيعه بالكلس.
ذلك هو لقاؤنا بالموت، حين يفاجئنا، دون انتظار، فيقلب أملنا إلى يأس، ومرحنا إلى بأس ويحدث في النفس غصّة، ويحيل حياتنا كلّها إلى مجرّد قصّة.
وإنّها معقولية اللاّمعقول في عالم الموت المليء بالأسرار والألغاز، فنتقبله على ما فيه من مرارة ونرضى بنتائجه على ما يحدثه لدينا من خسارة"2
سلام عليك أخانا رشيد، وأنت تطلُّ بروحك علينا من عالم الخلود، حيث أنت –إن شاء الله- منعَّم، في رضوان الله...
يقول الشيخ الناصر المرموري –عليه شآبيب الرحمة والرضوان- في احدى قصائده الرثائية:
من كان في ذات الإله جهاده سقته غوادي النصر حيث يشاؤها
ومن جدَّ في غرس الفضائل منشئاً لها أنفساً روح العلوم غذاؤها
فذاك الذي يمضي إلى الله راضياً ومرضية أعماله وجـزاؤها
ومن كان يرجو الإله يصبر على التقى ويعمل لجنات يدوم بقاؤها
فإن غاب قطب فليقم من رجالكم له وارث يتلوه، هم خلفاؤها
أعيـذكـم بالله أن تتخلَّفـوا عن الركب قطعاناً غياباً رِعاؤها
فلا خير في قوم، ويا ويح أمة ضياع، تولى أمرها جهلاؤها
فيا أمة الإسلام ولُّوا خياركم أمانة هذا الدين، هم أمناؤها
غفرانك ربنا وإليك المصير.
الخطبة الثانيـة
الحمد لله نواصينا بيده، ماضٍ فينا حكمه، عدلٌ فينا قضاؤه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الدائم عطاؤه، العظيمة آلاؤه، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه، ما ليلٌ سجى، وما صبح بدا، وسلم تسليماً أبدياً سرمداً.
أما بعد:
فإن من أعظم مقاصد هذه الشريعة حفظ الدين، وإن من أعظم أسباب حفظ الدين حفظه بالرجال المخلصين، والعلماء العاملين، فوجودهم في الأمة حفظ لدينها، وصون لعزتها وكرامتها، وذود عن حياضها، فإنهم الحصن الحصين، والسياج المتين، الذي يحول بين هذا الدين وأعدائه المتربصين.
فالعالم للأمة بدرها الساري، لا سيما أئمة الدين، وعلماء الشريعة؛ ولذلك كان فقدهم من أعظم الرزايا، والبلية بموتهم من أعظم البلايا، وأنَّى للمدلجين في دياجير الظلمات أن يهتدوا إذا انطمست النجوم المضيئة.
إنهم النماذج الشامخة، والأطواد الراسخة في العلم والتقوى، وأعلام بارزة في الفقه والإرشاد والفتوى، فضائلهم لا تُجارى، ومناقبهم لا تُبارى، ، ومهما كانت الألفاظ مكلومة، والجمل مهمومة، والأحرف ولهى، والعبارات ثكلى، فلن تستطيع التعبير، ولا دقة التصوير، فليست الرزية على الأمة بفقد مال، ..كلَّا ثم كلَّا، ولكن الرزية أن يفقد عالم يموت بموته جمعٌ غفير، وبشر كثير، يقول : «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً؛ اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا».
أيها الإخوة المؤمنون:
إن سدَّ الثغرات التي يتركها الأعلام، والمرابطة على الثغور الحضارية والاجتماعية التي كانو يحرسونها، يحتاج إلى رجال ذوي رأي سديد، وبصير حديد.
وإن أمتنا الإسلامية عموماً، ومجتمعنا المحلي خصوصاً ليتعرَض لتحديات في أكثر من صعيد: حضارية، واقتصادية، وفقهية،..ما يستوجب أن نفكِّر بعمق في تكوين الرجال الذين يذودون عن الحمى، ويحفظون الملة، فبالعلم تُضبط المسيرة، وتُهدى الأمة.
فلنحرص إخوتي حِرصاً صادقاً، منطلقه الإخلاص، ومصبه ونهايته الحفاظ على مورثنا الحضاري في بناء الأجيال والأفكار، حرصنا على إعلاء الصروح والديـار.
فيـا حسرة أمة تضع العلم والتعليم في أدنى سلم أولوياتها ونفقاتها، ويا ندامة مجتمع لا يكرم العلماء، ولا يرفع مقامهم. ذلك ما نجده في أوطاننا التي ترفع من شأن الأفلام، وتغالي بضجيج الأقدام، وما تحتفي بنتاج الأقلام، فغدا بذلك صاحب القلم دفيناً، وصاحب القدم والموسيقى عزيزاً مكيناً.
فاللهم اغفر لأستاذنا ومرشدنا رشيد بابانجار وارحمه، واسكنه الفردوس الأعلى، وتقبَّله في عبادك المخلصين، وأجزه خير ما تجزي به الأئمة الاصدقين، واحشره مع الذين أنعمت عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً، وأجرنا في مصيبتنا واخلفنا فيه خيراً، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله.
اللهم ارحم مشايخنا وأساتذتنا وكل من ربنا وله الفضل علينا، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت .. أنت الغني ونحن الفقراء ، أنزل علينا الغيث ، ولا تجعلنا من القانطين واجعل ما أنزلته لنا قوة وبلاغاً إلى حين.
اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا،.اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً نافعاً غير ضار ،عاجلاً غير آجل .
اللهم اسق عبادك وبهائمك ، وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت.
اللَّهم إني أسألك الثبات في الأمر ، والعزيمة على الرشد ، وأسألك شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، ولسانا عامراً بذكرك لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك اني ظلمت نفسي فارحمني إنك أرحم الراحمين.
سُبحانك خَالقي إنا تائبون إليك فاقبل تَوبتنا، واستجبْ دُعاءنا ، وأقِل عثراتنا برحمتك يا أرحم الرّاحمين ، اللَّهُمَّ إنا ظلمت أنفسنا ظلمًا كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك ، اللهم اجعلنا من أئمتك المتقين واجعلنا من ورثة جنة النعيم واغفر لنا خطايانا يوم الدين، آمين
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
---------------
1-الشيخ محمد الغزالي، شهادات، وآثار، من مقدمة الكتاب.
2-عبد الرزاق قسوم: وداعًا فيلسوفنا حمودة سعيدي.
